أحمد زكي صفوت

121

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

75 - وصية عمرو بن كلثوم لبنيه أوصى عمرو بن كلثوم التّغلبى ، فقال : يا بنىّ إني قد بلغت من العمر ما لم يبلغ أحد من آبائي وأجدادي ، ولا بد من أمر مقتبل ، وأن ينزل بي ما نزل بالآباء والأجداد ، والأمهات والأولاد ، فاحفظوا عنى ما أوصيكم به : إني واللّه ما عيّرت رجلا قطّ أمرا إلّا عيّر بي مثله ، إن حقّا فحقّا ، وإن باطلا فباطلا ، ومن سبّ سبّ ، فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لأعراضكم ، وصلوا أرحامكم ، تعمر داركم ، وأكرموا جاركم يحسن ثناؤكم ، وزوّجوا بنات العم بنى العم ، فإن تعديتم بهن إلى الغرباء ، فلا تألوا بهن الأكفاء ، وأبعدوا بيوت النساء من بيوت الرّجال ، فإنه أغضّ للبصر ، وأعفّ للذكر ، ومتى كانت المعاينة واللقاء ، ففي ذلك داء من الأدواء ، ولا خير فيمن لا يغار لغيره ، كما يغار لنفسه ، وقلّ من انتهك حرمة لغيره إلا انتهكت حرمته ، وامنعوا القريب من ظلم الغريب ، فإنك تذل على قريبك ، ولا يحلّ بك ذل غريبك ، وإذا تنازعتم في الدماء فلا يكن حقكم للقاء ، فربّ رجل خير من ألف ، وودّ خير من خلف ، وإذا حدّثتم فعوا ، وإذا حدثتم فأوجزوا ، فإن مع الإكثار يكون الإهذار « 1 » ، وموت عاجل خير من ضني آجل ، وما بكيت من زمان إلا دهانى بعده زمان ، وربما شجانى من لم يكن أمره عنانى ، وما عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة ، واعلموا أن أشجع القوم العطوف ، وخير الموت تحت ظلال السيوف ، ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب ، ولا فيمن إذا عوتب لم يعتب « 2 » ، ومن الناس من لا يرجى خيره ، ولا يخاف شره ، فبكئوه « 3 » خير من درّه ، وعقوقه خير من برّه ، ولا تبرّحوا في حبكم ، فإنه من برّح في حبّ ، آل

--> ( 1 ) أهذر : هذى . ( 2 ) لم يرض . ( 3 ) بكأت الناقة بكءا قل لبنها .